الأب جوزيبه دي سانتا ماريا الكرملي
26
رحلة سبستياني
يفتت الأكباد ، وما كان سبب تلك المأساة الا الحر الشديد وقلة الماء . واصلنا السير فمررنا ببقعة جميلة تقع إلى جانب مياه غزيرة تفرعت عن دجلة ، ثم وصلنا إلى مدينة تكريت القديمة الواسعة ، لكن حالتها الحاضرة تدعو إلى الرثاء هذا ما آلت اليه بغداد الثانية . في الليلة التالية عبرنا دجلة ، وكان متاعنا قد قل ، وكاد ان ينفد ما حملنا من زوادة من الموصل ، ولم نجد محلا نشتري منه زادا . لكن اراكيل قدم لنا شيئا قليلا في اليوم التالي ، وكنا لا نزال بالقرب من ضفة الشطر ، ثم أكملنا سيرنا في المساء ، وعند الصباح وصلنا إلى مدينة تركها أهلها كلهم بسبب شحة المياه « 1 » ولو أرادوا إعادة الحياة إلى هذه المنطقة ، التي يمكن ان نعتبرها بغداد السفلى ، لا مكن ذلك بجر المياه إليها ، وهذا العمل يكلفهم نحو 80 الف قرش . أكملنا سيرنا حتى عثرنا على بعض الآبار ، وقد جربنا حظنا بالصيد لنقتات به ، وبالرغم من القيظ الشديد فقد مضينا على الطريق بسرعة على امل الوصول إلى بغداد في اليوم الثاني . وقد كان بعض الاعراب يختبئون في وسط الخربات ليهاجموا القوافل والمسافرين ، حتى بالقرب من بغداد ، لكننا كنا حذرين للغاية . ان بابل الأولى القديمة بعيدة نحو 60 ميلا ، وتقع على الفرات ، وهي في الوقت الحاضر خراب كلي ، فقد تلاشت تلك المملكة التي كانت تلقي الرعب في آسيا كلها ، ولم يبق منها الا ذكريات مشينة عن سميراميس ونبوخذنصر وغيرهما من الطغاة « 2 » بينما قارعت الأجيال ذكرى عطرة عن الفتيان الثلاثة « والنبي » دانيال « 3 » . منذ بزوع الشمس دخلنا قرية كبيرة تقع في صدر بغداد « 4 » فأرسلنا التحية
--> ( 1 ) لعل صاحبنا يلمح إلى سامراء . ( 2 ) لا نعلم سبب تحامل المؤلف على سميراميس ونبوخذنصر ! ؟ ( 3 ) يلمح المؤلف إلى قصة ورد ذكرها في الكتاب المقدس ( العهد القديم ) نبوءة دانيال الفصل الثالث والفصل الرابع عشر . ( 4 ) ربما يريد المؤلف موقع الكاظمية .